مآلات السردية الطارئة في رواية ” لمار ” للروائية السورية إبتسام تريسي

عبد الرحمن حلاق
مآلات السردية الطارئة في رواية ( لمار )*
لا تخلو مجموعة بشرية من سردية مؤسِّسَة تنبني عبر مرحلة زمنية طويلة ، تتكفل بشكل أو بآخر باستمرارية هذه المجموعة وتضمن – قدر الإمكان _ الحفاظ على بنيتها الوجودية ، ويعمل أبناؤها على بلورتها وإعادة صقلها كلما اعتراها ضعف أو ألمّ بها أحد فايروسات الحداثة ، وإذا كانت الأمم الكبيرة قد خلقت إلى حد معقول سرديتها ووصلوا بها مرحلة متقدمة من الصقل بما يحقق لهم هذه الاستمرارية الوجودية فإن المجموعات البشرية الصغيرة ماتزال تتخبط في طريق الوصول إلى مرحلة الاطمئنان ، ولهذا أضفت بعض المجموعات البشرية طابعاً سرياً على سردياتها وانغلقت على ذواتها متدرعة بجدران قوقعتها الخاصة، ماجعل الكثير من الطوائف الصغيرة تذهب إلى مايعرف بالفكر الباطني أو المذهب الباطني خوفاً من تفتت بنيتهم الاجتماعية وزوالهم عملياً من حركة التاريخ الخاص بهم .على مستوى أضيق تأتي النظم الاستبدادية لتؤسس سردياتها الخاصة مستفيدة من فائض القوة الذي تمتلكه متجاهلة أهم عاملين مساعدين في تكوين أي سردية على الإطلاق ، أقصد العامل الاجتماعي الإثني والعامل الديني ، ولا أظن أن التاريخ قد سجل فيما سجل أي حالة استمرار لأي بنية استبدادية حتى لو اعتمدت في تأسيس سرديتها على مبادئ فكرية تبدو للوهلة الأولى غاية في العدل ولعل آخرها ماركسية الاتحاد السوفييتي .
في هذا الإطار يجب التمييز بين السرديات الدينية والسرديات اللادينية في اللأولى نجد احتمالية الاستمرار أقوى بفضل عنصر الإيمان الغيبي من جهة واعتمادها على القيم الإنسانية المطلقة من جهة أخرى، بينما في الحالة الثانية نجد عوامل النقص كثيرة خاصة فيما يتعلق بقيم العدل.

في رواية ( لمار ) للروائية السورية إبتسام تريسي – كما في بعض رواياتها السابقة – ثمة تفكيك واضح لمقومات السردية الأسدية التي انهارت بشكل دراماتيكي بفعل الثورة السورية، وإذا كانت الكاتبة إبتسام تريسي قد عمدت في روايتها السابقة ( مدن اليمام ) إلى تفكيك البنية الفكرية والدينية لجمهور مؤيدي الدكتاتور عبر شخصية ( الملازم خضر ) مبينة الأسس التربوية والنفسية لأنصار الدكتاتور فإنها في ( لمار ) اتجهت إلى فضح المقومات التي أوصلت هذا الدكتاتور إلى سدة الحكم، كاشفة الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية التي ساهمت في صناعة هذه الطغمة الفاسدة. وكان سبيلها إلى ذلك محاولة تفكيك المرحلة الزمنية التي توّجها الدكتاتور حافظ الأسد بسلطته المطلقة ، مستفيداً من الأخطاء التاريخية لمن سبقه وكذلك من تجارب من عاصره من المستبدبن ، وما إن استقامت له الأمور حتى بدأ بتأسيس سرديته الخاصة التي لخصها المؤرخ ( يونس ) السجين في فرع المخابرات الجوية في حرستا عندما تحدث للأستاذ عن دوره في تأليف كتاب عن فكر وفلسفة القائد : ( … حينها اخترعت اللقب الذي لازم القائد طيلة حياته ” الأب القائد ” تيمناً بألقاب من سبقوه من حكام العالم المشهورين … لكني جمعت في لقبه بين الديني والسياسي واختصرت في شخصه كل رموز العظمة والقوة والخلود ! ) صـ 21 وذلك بإيحاء من القائد أو الزمرة العاملة معه ، فقد جاءته ملاحظة أثناء العمل للتأكيد على رمزية الأب في الكتاب المزمَع إنشاؤه .
أما التفكيك الشامل لهذه البنية الهشة أصلاً فقد جاء من الكاتبة عبر صفحات ( لمار ) وذلك على المستويات التاريخية والنفسية ، راصدة العوامل الخفية لركوب السلطة، والقبض على أجهزة التحكم بالقوة.

ثمة حكايتان تأسست الرواية عليهما: إحداهما تنتمي إلى الحاضر أما الثانية فتسبر البدايات التاريخية منذ 1910 لتلتقي النهايتان بالراهن المعاش ، هذا الراهن الذي قلب الموازين وسمح بكسر أحد الأقانيم الثلاثة التي تشكل التابو المحرم ( السياسة ـ الجنس ـ الدين ) وإذا كان بعض الكتاب قد تجرأ على الجنس وكتب فيه فإن الدين والسياسة بقيا بمنأى عن أقلام الكتاب باستثناءات قليلة جداً غامر أصحابها وتجرؤوا على ( السياسة ) كما فعل مصطفى خليفة في القوقعة وكاتب هذه السطور في ( قلاع ضامرة ) وكذلك رواية ( عين الشمس ) لإبتسام تريسي والتي دخلت القائمة الطويلة في مسابقة البوكر ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. وما إن انطلقت الثورة السورية حتى بدأنا نرى العديد من النصوص الروائية التي تحاول رصد المرحلة بشكل أو بآخر عبر اختراق تابو السياسة، بعد أن قام الشعب بتحطيم الرموز الدكتاتورية بصورة مذلة ومهينة بلغت حد التبول على تماثيل ذلك ( الأب القائد ) .
تأتي رواية ( لمار ) في هذا السياق عقب روايتها السابقة ( مدن اليمام ) والتي تتابع فيها الكاتبة مشروعها الخاص بتفكيك هذه البنية الاستبدادية راصدة مراحل النشوء والتكوّن وسيرورة الفساد القائم على الحقد الطبقي تارة والحقد الطائفي تارة أخرى والذي بلغ ذروته قبيل وأثناء الثورة السورية لتستحق وبجدارة لقب راوية الثورة السورية.
لقد انهارت شعارات المقاومة كما انهارت من قبل شعارات العدالة الاجتماعية ممثلة بأهداف حزب البعث ، انهارت حتى القيم الوطنية أو الإنسانية التي كان المستبد يتستر بها وذلك بفضل هذه الثورة الكاشفة .

أما مافعلته رواية ( لمار ) فهو العودة إلى البدايات إلى ( تل الجرب ) حيث ترصد مجيء الجد الأول ( سليمان ) مع ابنته وزوجته هارباً من خنجر ثأر نتيجة ما ارتكبه من جرائم. وصل قرية لا أحد يعرفه فيها وبدأ ببناء حياة جديدة ومعيشة جديدة تعتمد بداية على ما يقدم له من صدقات في بيت مهجور ومنعزل أعلى التل اشتهر باسم ( بيت الحسنة ) ومفردة الحسنة هي كناية عما يقدمه الإنسان من طعام وغيره إلى المحتاجين.
بعد أن يستقر الحال بسليمان في تل الجرب يبقى في حالة حذر شديد في التعامل مع أهل القرية ، وتبقى الخطوط التي تربطه بهم ضمن أطر محددة ، سرعان ما تبدأ بالانفتاح بشكل واسع إثر الاحتلال الفرنسي حيث نراه بصحبة ضباط الاحتلال إن في سياراتهم أو في حفلاته لهم التي يقيمها في بيته ، ونراه أيضاً خطيباً يدعو إلى استقلالية الطائفة العلوية في دولة مستقلة كما شاءت فرنسا في بداية احتلالها، ومع خروج الفرنسيين وفشله من بعد في تسجيل حفيده في الجامعة في لبنان بسبب وضاعة أصله تبدأ لمار بالقبض على مفاصل الأحداث فتوجه ابن أخيها ( صخر ) للانخراط في الجيش لتضمن له القوة التي ستمكنه من السلطة فيما بعد لتبدأ سلسلة من الأحداث التي يعرفها الكثير من السوريين بشكل جيد والتي مكنت ابن أخيها صخر (حافظ أسد)من تولي السلطة، لكن مالا يعرفه ربما الكثير من السوريين جاء في البعد التخييلي للرواية حيث مخططات لمار ووصاياها العشر النابعة من نفس يقتلها الحقد والرغبة في الانتقام حيث يطال الانتقام كل من مدّ يد العون لهذه العائلة وأيضاً كل من رفض لها طلباً ، فأحفاد صاحب بيت الحسنة الذين عادوا من المهجر وبنوا قصرهم أعلى تل الجرب انتهى بهم المطاف في حفل تدميري واسع، كذلك الجنرال الذي مد يد العون لصخر في كل أزماته وكان سابقاً على علاقة بزوجة صخر التي أنقذتها لمار من فضيحةٍ وزوجتها لابن أخيها لتضمن له سنداً عائلياً _ نال سجناً مؤبداً حتى أن السينما التي التقى فيها معها فيما بعد نالها الدمار وتحولت إلى مشروع آخر .
التأريخ والبنية الروائية
دأبت الكاتبة ابتسام إبراهيم تريسي على الدخول إلى التاريخ عبر بواباته الخلفية وذلك منذ جبل السماق بجزئيها ( سوق الحدادين و الخروج إلى التيه ) وذلك لرصد ما تم إسقاطه ودفنه من وقائع، خاصة وأن التاريخ من بين جميع العلوم الإنسانية هو العلم الوحيد الذي يكتب بأكثر من قلم وقلما نجد مؤرخاً يتسم بالحياد والموضوعية، ولهذا تعد مقاربة التاريخ بالنسبة لكاتب الرواية مغامرة محفوفة بالمخاطر، تتطلب منه جهد الباحث والمحقق معاً. وإذا كانت رواية لمار سيرة ذاتية للاستبداد، فهذا لايعني بكل تأكيد أنها رواية تاريخية مهما تقاطعت بعض أحداثها مع الواقع، فقد استطاعت الكاتبة وبحرفية واضحة إنتاج نص إبداعي روائي حول عائلة منبوذة، انتهازية، تختزن فائضاً وفيراً من الكراهية و الخبث والحقد ( الطبقي والطائفي ) استطاعت هذه العائلة الوصول إلى سدة الحكم ، وما لبثت أن تخلصت من كل ما يمكن أن يشكل تهديداً محتملاً في المستقبل مهما كانت شدة قربه منها . لقد كان ( صخر ) أميناً جداً في تنفيذه وصايا عمته بل وزاد عليها:
.. قرأ وصاياها للمرَّة الأخيرة: «قوتك في الجيش، ما دمتَ تسيطر عليه، فأنت تسيطر على الدولة. اشترِ مَن ليس لديه طموح، وبلا شخصية. ابحث عن الانتهازي والفاسد والسافل، وضعه في موضع المسؤولية.. ليكن وزراؤك من اللصوص والمهربين والقوَّادين. ضع دستورك بنفسك. احصر صلاحيات الشعب في التصفيق والدبكة والاحتفالات. دعِ العامة يقتتلون من أجل رغيف الخبز. لا تثق بأحدٍ مهما كان ولاؤه لكَ كبيرًا. إياك أن يسود القانون، ويصبح القضاء نزيهًا. الفساد حاجة أساسية لتكوين نخبة من رجال الأعمال، دعهم يغرقون، وسجِّل كلَّ ما يفعلونه بحرص ليكون سيفًا في يدك مسلطًا على رقابهم وقت الحاجة. ليكن لدى عائلتك شراكات مخفية مع رجال الأعمال، وافرض عليهم إتاوات. الباب مفتوح أمامك الآن للغزو». صـ243
تشكل هذه الوصايا الوجه القبيح للسلطة التي عملت جاهدة على إخفائه خلف قناع من الشعارات الوطنية والقومية تارة والعلمانية تارة أخرى ولابأس من تشكيل جدار ديني من طبقة مشايخ السلطان لإضفاء لمسة سرمدية عليه، إلا أن للمجتمعات الإنسانية التي خبرت حركة التاريخ كلمةً أخرى، لابد أن تقولها.
إن أي سردية تؤسَس على غير العدل هي بكل تأكيد سردية طارئة على التاريخ وذات عمر قصير جداً كأي نبتة متطفلة لابد وأن تطالها يد ذلك الفلاح الذي يختزل خبرة تاريخية عريقة في معرفة النبت المثمر من الضار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*_ لمار : رواية ، إبتسام تريسي ، مكتبة الدار العربية للكتاب ، القاهرة ، 2015ط1

Advertisements
قياسي

الثقافة بين ألفيتين

عندما سمعت للمرة الأولى عبارة القصيمي ( العرب ظاهرة صوتية )توقفت عندها مطولاً ، أتأمل فيها وأتساءل ، هل تحمل هذه العبارة فقط معنى أننا أمة تحب الكلام والصراخ ؟ أم أننا أمة تعيش داخل اللغة ؟ فألهتنا عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ؟

في العيش داخل اللغة ننفصل بشكل شبه تام عن الواقع المعاش ، بحيث نحصر أي جديد وأي فعل ثقافي داخل المستوى اللغوي ، ولهذا ـ ربما ـ نجتر أسئلة النهضة وأسئلة الحداثة منذ أكثر من قرن دون تمثل يذكر  يمكن أن ينعكس بصورة أو بأخرى على الواقع الاجتماعي المعاش ، وما يناقش من أفكار ثقافية أو فكرية أو فلسفية لا يغدو ـ عند معظم مثقفي هذه الأمة ـ كونه رحلة من اللغة إلى اللغة حد تعبير الدكتور عيسى إدريس ، وبالتالي يبقى جدار الفصل الفكري قائماً بين البنية الاجتماعية التي تتسيدها العادات والتقاليد وذهنية الأب الأكبر والأخ الأكبر ، وبين البنية الثقافية والفكرية والتي هي في أساسها بنية فوقية ، وفي ظل الغياب المتعمد في مناهج التربية والتعليم الحديثة لما يمكن أن نطلق عليه التفكير الناقد وغياب الفكر الواضح يتسيد البنى الاجتماعية مفاهيم التسليم بالأمر الواقع وهذه بدورها تؤدي إلى تعميق حالة الولاء والتبعية للزعيم ( الديني أو العشائري أو السياسي ) حد تعبير المفكر ياسين الحاج صالح . هذا السبات داخل اللغة والفصل بين ما هو ثقافي وما هو اجتماعي جعلنا كأمة نعيش حالة سبات على المستوى السلوكي وما يحصل الآن ـ ونحن في الألفية الثالثة ـ من حرب إعلامية بين مصر والجزائر  بسبب لعبة لا يختلف في كثير من جوانبه عما حصل في الألفية الأولى فيما عرف بحرب داحس والغبراء ، بل إن أسباب الحرب الأولى أكثر وجاهة من أسباب الحرب الثانية ، الأمر الذي يجعل المقاربة موضوعية هو هذا الانجرار الأعمى للثقافي والسياسي لهذه المعركة التي يقودها بعض رعاع الكرة ورعاع الإعلام حيث ظهر الفصل واضحاً بين البنية الثقافية والبنية الاجتماعية وهذا ما يؤكد ضعف الفعل الثقافي وغياب التفكير العقلاني لهذه الأمة وكذلك عدم قدرتها على التعاطي مع التطورات الفكرية للحضارة الإنسانية، ففي لحظة واحدة تمّ الفصل سريعاً والعودة إلى جاهليتنا الأولى .

هل ذهبت بعيداً في تحليلي للواقع وفي إطلاقي لبعض الأحكام ؟ ربما . ولكن الواقع مليء بما يؤكد نظرتي للأمور ، خاصة وأننا على ما يظهر نرسخ يوماً بعد يوم مفاهيم الفكر التسليمي ( كما أسماه ياسين الحاج صالح) وذلك لغياب عنصر الإرادة قبل كل شيء وأي حديث آخر سيدخلنا في متاهات نظرية المؤامرة ، وأن هذه الأمة لا يراد لها التقدم وأن شعوبها عاجزة عن الفعل لأسباب كثيرة ، ومع أني لا أنكر هذه النظرية إلا أنني لا أميل إلى اعتبارها شماعة نعلق عليها عجزنا ، فغياب الإرادة الحقيقية محصلة حتمية لغياب الوعي الناجم عن التفكير النقدي من جهة و محصلة حتمية لكثرة القيود والأغلال الاجتماعية والدينية التي تكبلنا من الداخل من جهة أخرى .

قياسي

البحث عن هويات ضائعة

 

يبدو أن  الحنين إلى الأصل ، والعودة إلى رحم الإثنية أو القبيلة أو الطائفة أو حتى المذهب نواتج طبيعية لعصر العولمة في البلدان ” المتخلفة ” وأحصرها في البلدان المتخلفة  لأن المجتمعات في البلدان المتقدمة ليست تحت مجال حواسي وبالتالي لا يمكنني إدراك مشاكلها ولست معنياً بها ، وإن كنت أهتم بها على الصعيد المعرفي من خلال بعض ما يكتب . ففي بلداننا المتخلفة وبسبب  غموض السياسات فيها وعدم شفافيتها و تراكم الآثار السلبية على أفرادها بدأ الإحساس بالحاجة إلى نوع من الحماية ما جعل الإحساس بالحنين والعودة إلى الرحم يتعاظم وبصورة سلبية تنذر بعواقب ليست في صالح هذه البلدان بأي حال  ، فقد بتنا نتلمس في الآثار الأدبية انعكاسات هذه الظاهرة بشكل واضح ويدعو إلى القلق في كثير من الأحيان ، يتبدى ذلك على وجه الخصوص في المجال الروائي حيث يعمد الكثير من الروائيين إلى تبني مشاكل إثنيتهم أو طائفتهم أو يتلمس بكثير من الحنين بقايا جذوره في أعماق التربة في محاولة حثيثة لإنباتها من جديد وكل ذلك ليس إلا  نتيجة سياسات التهميش أو التجاهل أو التمييز التي تتبعها معظم السلطات الحاكمة وهي ترسم أسس استمراريتها وبقائها على رأس الهرم ، فهل يعكس ذلك خللاً بنيوياً في النسق المعرفي  ، أم أنه هروب إلى الخلف بدلاً من مواجهة الواقع ، ولأن الشهامة تقتضي ألا نكون جبناء، يتحقق هذا الهروب لاستلال إرث نفاخر به ونعلن عن وجودنا من خلاله وكأن قطار التقدم سيخجل أو يخاف من هذا الإرث العظيم . هذه الطريقة في الهروب ليست جديدة في الواقع على أفراد مجتمعاتنا فقد مورست من قبل ولكن على صعيد قومي ووطني فقد احتفل العرب كثيراً وطبلوا كثيراً لكتاب من مثل ” شمس العرب تسطع على الغرب ” وما نزال نرفع عقيرتنا في وجه أصحاب العلم والمعرفة ونقول لهم لقد كنا  وكان أجدادنا ، وما نزال نفاخر في ذلك ، وعندما اكتشف المواطن البسيط كم كان مغفلاً ومخدوعاً، لتضحياته الكبرى من أجل الشعارات الكبرى، وكم كان مخدوعاً في أمنه السياسي والثقافي والغذائي ، فقد بدأ رحلة البحث عن جذوره، فبدأت النزعات الإقليمية تعلن حضورها بين تاريخ فرعوني مزدهر وحضارة بابلية أو آشورية أو كنعانية أو سومرية ووصل به المطاف حتى إلى قوقعته المذهبية، ليجد بعد ذلك الكردي والأمازيغي الفرصة السانحة لإعلان الوجود الإنساني الذي بقي مقموعاً فترة طويلة من الزمن . وها قد وصل بنا الأمر في نهاية المطاف لأن نسمع صوت كل أقلية على حدة ( عرقية ، طائفية ، دينية ، مذهبية ) ترفع عقيرتها لتعلن عن وجودها ، وتطالب بحقوقها المغتصبة ، والسؤال المطروح لماذا لا نسمع في دولة متقدمة عن مثل هذه المطالبات ؟ مع أنه لا تكاد تخلو دولة في العالم من تعددية إثنية أو طائفية أو دينية ، تراهم يعيشون ضمن عقد اجتماعي يضمن لجميع المواطنين حقوقهم ، الغريب في الأمر حقاً هو توجه عدد من المشتغلين في حقول الثقافة ( والإبداع ) إلى هذه المطالبات بدلاً من المطالبة بالحقوق الأصلية المهدورة ، التي تحقق للمواطن مواطنته .

قياسي

أجلك الله

يحكى أن :

العصفور إذا أراد أن ( يتأهل ) فإنه يمضي أياماً في البحث عن رفيقة دربه التي ستشاركه العمل على بناء أسرة ، والعصافير لا تجيد الرقص لإغواء أناثها كما تفعل بعض الطيور ، وكذلك لا تملك ذيلاً كبيراً ملوناً وعرفاً على رأسها لتستعرض ذواتها أما الإناث ، العصافير تملك سؤالاً مباشراً وصريحاً والأهم من ذلك تملك القدرة احترام الرأي الآخر ، وما عليها لبناء أسرة إلا أن يقوم العصفور بالتقاط حبة من الأرض ثم يضعها أمام أنثاه فإن قبلتها أصبحت زوجته ، وإن عافتها وطارت يعود العصفور لالتقاطها والبحث عن أخرى بطيبة خاطر .

ويحكى أن :

عادة الزواج في أحد القبائل الهندية ( الهنود الحر ) تقضي بأن يأتي الشاب بزوجة من خارج قبيلته ، إذ يحرّمون الزواج من ضمن القبيلة الواحدة ـ وذلك زمن البداءة الأولى التي استمرت حتى تمكن الغزاة الأوربيين من استعمار  الأمريكيتين بالكامل ـ  فكان على أي شاب يريد الزواج أن يخرج إلى قبيلة أخرى يقضي أياماً يترصد فيها من بعيد الصبايا وهن يمارسن حياتهن اليومية إلى أن يختار إحداهن فيرسم خطة لا ختطافها والهروب بها ، فإذا تمكن من اختطافها والخروج بها من حدود قبيلتها ، يكون قد أنجز نصف الطريق بكل مافيه من مخاطر وأهوال واحتمالات الموت ، أما النصف الثاني فيقضي بأن يذهب بها إلى النهر ويصطاد سمكة ثم يشويها ، ثم يقدم الوجبة لزوجة المستقبل وهنا تكمن لحظة الانتظار المرير ، وتتجلى الأبعاد الإنسانية بأبهى صورها ، فالفتاة إن أكلت من السمكة فهذا يعني أنها غدت زوجته وإن رفضت فعليه إذاً أن يعيدها معززة مكرمة إلى حدود قبيلتها ، ثم يعاود البحث ‘ن فتاة أخرى .

للقارئ الآن أن يتمعن ـ كيفما يشاء ـ في مدلولي القصتين وأن يستخلص منهما القيم الإنسانية التي يريد ، ويمعن النظر في شكل العلاقة بين الذكر والأنثى إن على صعيدها الحيواني أو على صعيدها الإنساني البدئي ، ثم ينتقل إلى الحكاية الثالثة .

إذ يحكى أن أعرابياً في الألفية الثالثة يتسلح بكل ما أنتجته المدنية من أدوات تكنولوجية وحضارية أراد أن يحكي لزملائه في العمل حادثة جرت في بيته وعندما وصل إلى ذكر زوجته أرفقها بعبارة ” أجلّكم الله “.

” أجلك الله ” عبارة نسمعها كثيراً في سياق الحديث عن أشياء مقززة أو دنيئة ، تبعث فور سماعها شعوراً بأن محدثك يعكس لباقة وكياسة في سلوكه وتصرفاته ، فيزداد احترامك له ، لكن أن تسمع العبارة في سياق  مغاير يجعلك تشعر بالنفور والتقزز والغثيان فهذا ما يثير الاستغراب ويضعك أمام مفارقة تحتاج الكثير من الجهد لتلمس أسبابها والفكر الداعم لها ، وإعادة النظر بالنسق الثقافي المولد لها بالمجمل .

فأن تسمع رجلاً يتحدث عن زوجته بشكل عابر وحول أي شأن من شؤون الحياة وفور ذكره لها يصدمك بـ ” أجلّك الله ” أو ” تكرم عن طاريها “فهذا ما يجعل عينيك تتسعان دهشة واستنكاراَ ، وتتساءل ببراءة : ألهذا الحد من المهانة بلغت مكانة المرأة ؟

تُرى ــ وأنت أمام رجل كهذا ــ ألن تتساءل وببراءة عما إذا كان الإسلام قد مرّ من هنا ؟

هنا تجدر الإشارة إلى ضرورة مراجعة النسق الثقافي برمته ، وهذا يعني انقلاباً شاملاً لمجل المفاهيم الثقافية التي أنتجت هذه الحالة المتنافية مع مجمل القيم الإنسانية على مرّ العصور ، بل تتعارض حتى مع السلوكيات الفطرية والغريزية لكثير من المخلوقات غير الإنسانية ، كما رأينا مع العصفور وغيره كثير من بقية الحيوانات المتحضرة بالغريزة .

هذا يحيلنا إلى تساؤل بسيط مفاده : هل التناسب بين المدنية والإنسانية تناسب عكسي ؟ بمعنى أنه كلما تقدمت البشرية مدنياً كلما تراجعت القيم الإنسانية ، بكل تأكيد ستكون الإجابة بالنفي ، ذلك لأن مجتمعات كثيرة قد تقدمت على الصعيدين وكان التناسب طردياً بمعنى أنه كلما تقدمت المدنية كلما تقدمت معها القيم الإنسانية ، وهذا لا يعني أن المجتمعات التي نطلق عليها اليوم صفة التقدم خالصة نقية إذ لا بد أن تعيش آثار الإرث الجمعي لكن مايكبح جماح هذا الإرث مجموعة القوانين الضامنة لإنسانية الإنسان ، وهذه القوانين لن تكون فاعلة في مجتمعاتنا العربية بالشكل السليم ما لم تكن فوق الجميع ، تسهر على تنفيذها سلطة قضائية نزيهة ، وسلطة تنفيذية حازمة ، ومع ذلك لن تكون فاعلة بالشكل الصحيح ما لم يتزامن ذلك مع خطط تربوية مدرسية ، ونهج ثقافي قادر على نسف بنى التخلف الفكري  الممتد .

عبد الرحمن حلاق ـ من منشوراتي في جريدة أوان الكويتية

قياسي